ابن عجيبة

218

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لسانه ، من غير قصد ، قوله تعالى : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ إلى قوله : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ فتهلل وجه الشيخ ، وقال : ما بعد بيان اللّه من بيان ، فتابوا واهتدوا إلى الحق ، ورجعوا عن مذهبهم ، وشفا اللّه قلوبهم من مرض الاعتزال . فهذا شأن العارفين باللّه ، جعلهم اللّه شفاء من كل داء ، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي ، ولا يسمع المنادى . ولذلك قال تعالى : فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى . . إلخ : قال الورتجبي : الميت : من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل ، والأصم : من كان أذن قلبه مسدودة بغواشى القهر ، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته . ه . ثم ذكر بعض مقدمات الساعة ، التي كانوا يستعجلونها ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 82 ] وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ( 82 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي : وقع مصداق القول الناطق بمجىء الساعة ، بأن قرب إتيانها ، وظهرت أشراطها ، فأراد بالوقوع : دنوه واقترابه ، كقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ . . . « 1 » روى أن ذلك حين ينقطع الخير ، ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ، ولا يبقى منيب ولا تائب . و « وقع » : عبارة عن الثبوت واللزوم ، وهذا بمنزلة : حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ « 2 » أي : وإذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي ، وأراد أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب ، أخرج لهم دابة من الأرض . وفي الحديث : « إن الدابة ، وطلوع الشمس من المغرب ، من أول الأشراط » « 3 » . فلا ينبغي لهؤلاء الكفرة ترك الإيمان حيث ينفعهم ، ويتطلبون وقوع الساعة الموعود بها ، التي لا ينفع الإيمان لمن لم يكن آمن ، مع ظهور مقدماتها ، فضلا عنها . فإذا وقع الوعد وسمت الدابة من لم يؤمن بسمة الكفر ، وكان ذلك طبعا وختما ، فلا يقبل منه إيمان ، ويقال له : أيها الكافر لم تؤمن بالآيات غيبا ، فلا يقبل منك بعد رؤيتها عينا .

--> ( 1 ) الآية الأولى من سورة النحل . ( 2 ) من الآية 19 من سورة الزمر . ( 3 ) أخرج مسلم في ( الفتن ، باب خروج الدجال ، 4 / 2260 ، ح 2941 ) عن عبد اللّه بن عمرو ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن أول الآيات خروجا : طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا » .